عثمان بن جني ( ابن جني )

16

الخصائص

جهود ابن جنى في الكشف عن الدلالة الفنية للأصوات " * " ( دراسة نظرية تطبيقية ) على الرغم من كون الأصوات هي اللبنات الأولى والأساس في تشكيل البناء اللغوي ، فإنها لم تلق من الباحثين إلى الآن العناية الكافية لاستثمار طاقاتها الدّلالية ، وابتعاث إيحاءاتها الثّرّة في فاعليتها الدائبة مع السياقات الأدبية . ولعل ذلك يرجع - في رأيي - إلى أمرين : صعوبة البحث في هذا المجال الموغل في الرمزية ، مع تأبّيه على التقعيد والتقنين ، حيث يستطيع الناظر إلى دلالات الأصوات أن يتكهّن ببعض تلك الدلالات التي يضفيها عليها السياق ، دون أن يجزم في كثير من الأحيان أن هذه الدلالات هي فعلا دلالات تلك الأصوات ، وليست مجرد معان فرضتها الدلالة المعجمية أو الصرفية أو التركيبية ، ثم قام ذهن القارئ بتحميلها على الأصوات . والأمر الآخر وهو تأبّى تلك الدلالات على التقعيد والتقنين يرجع إلى أنّ كثيرا من تلك الدلالات لا ترجع إلى قيمة للصوت في ذاته بقدر ما تكون وليدة السياق وخليقته ؛ فالسياق هو الذي حمّل الصوت هذا المعنى ، وهو الذي استخدم الحرف أو الكلمة صوتا ليكسبها دلالة سياقية حينيّة مؤقتة ، وليست دلالة دائمة تستصحب في غيره من السياقات ، فكل سياق له دلالاته التي يخلعها على أصواته ، وكل قارئ أو سامع له ذوقه الخاص في استكناه دلالات تلك الأصوات وتأثره بها ، وإن كان هذا لا ينفى وجود حسّ أو ذوق عام يكاد يشترك في فهم دلالات كثير من تلك الأصوات في السياقات والمواقف المختلفة ، وإن كان ذلك يختلف - لا محالة - باختلاف البيئات اللغوية . لعل هذه - في نظري - أهم أسباب ندرة البحث في هذا المجال على مستوييه النظري والتطبيقي . ونستطيع أن نقول : إن هناك تفاعلا دائبا بين السياق والتشكيل الصوتي ؛ فالمبدع يختار بوعى أو بلا وعى التشكيل الصوتىّ المناسب للسياق الذي يخوض فيه ، كما أن

--> * نشر هذا البحث في صحيفة دار العلوم عدد ديسمبر 1999 م ، للدكتور عبد الحميد هنداوى بعنوان : الدلالة الفنية للأصوات ( دراسة نظرية تطبيقية ) .